الفصل الثاني ~ المقاومون
أرسلت الشمس أشعتها عبر سماء زرقاء خالية من الغيوم ، تموجت أغصان الأشجار الرهيفة تحت وقع النسيم البارد .. أجواء يمكنك اعتبارها دلائل يوم جميل صافٍ ؛ لولا صوت خفقان أجنحة العصافير و طيور البط تتسابق فيما لا يمكن تفسيره إلا فرارا من غيبٍ شنيع ، و صدى عويل مرعب لا يمكن لأي حلق بشري إصداره .
مرت ست ساعات منذ أن احتمت لينا في المبنى 'B من هجمات الزومبي المفاجئة ، مرت تلك الساعات و كأنها أيام وسط الذعر و أصوات البكاء ، لذا ماكان من لينا مع أربعة طلاب آخرين إلا اتخاذ زمام المبادرة في هذا الوضع البائس ، قام شاب يدعى إياد بفحص الأبواب و النوافذ لدعمها بمزيد من الطاولات و الكراسي حتى يتم سدها بشكل أفضل ، مع فادي و أكرم اللّذَيْن بادرا بفحص المبنى بشكل مفصل للتأكد من أنه لا توجد أي ثغرات يمكن للزومبي التسلل منها ، بينما أشرفت لينا مع فتاة تدعى سيرين على تهدئة المذعورين و مواساتهم ؛ و كذا محاولة إجراء الإسعافات الأولية للأشخاص الذين أصيبوا أثناء هروبهم ، حاولت لينا أن تذهب للبحث عن معدات إسعافات أولية في المبنى لكن أكرم منعها بقوله "هل أنتِ مجنونة ؟ ماذا لو كانت هناك ثغرة في المبنى ؟!" قبل أن يذهب واعدا إياها بأن يحضر معه علبة الاسعافات إن وجدها أو أي شيء قد يساعد في مهمتها ، لذا اكتفت حاليا بتنظيف جروح المصابين بالماء . و بالفعل وفى الشاب بوعده و جلب المعدات قبل أن يختفي لإكمال مهمته ، لذا تمكنت كل من الفتاتين من إكمال مداواة جروح الهاربين بشكل أسرع و أكثر كفاءة .
بعدما أنهى الجميع مهماتهم و عودتهم للطابق الثاني -أشارت لينا سابقا أن البقاء في الطابق الثاني أكثر أمانا لذا اتخذوه مقرا لهم- اجتمع الخمسة على الدرج لفرز المستجدات الأخيرة .
افتتحت لينا النقاش قائلة "قبل أن نبدأ في نقاشنا ، أقترح أن نبدأ بتعريف عن بعضنا البعض أولا" قامت بتكتيف يديها قبل أن تكمل "اسمي لينا ، 19 سنة ، طالبة في كلية البيولوجيا" .
تنهد الشاب ذو النظارات ليردف قائلا "ليس باليد حيلة ، لا يمكنك العمل مع أشخاص لا تعرف بما تناديهم في المقام الأول ، أنا فادي ، سأبلغ عامي العشرين هذا الشهر ، عضو في الطائفة المسماة كلية الرياضيات" قالها بابتسامة مريبة قبل أن يتلقى صفعة خفيفة على رأسه من قبل صديقه "احساسك بالفكاهة معطل كالعادة .. المهم ؛ أدعى أكرم ، 21 سنة ، ملتحق بكلية الإعلام الآلي" عرف أكرم عن نفسه و هو متكئ على الحائط بجانب فادي .
"يمكنكم مناداتي إياد ، إنها أول سنة لي هنا في كلية علوم الأرض و تهيئة الإقليم ، 19 سنة أيضا " نطق إياد مع ابتسامة متعبة على وجهه .
"أنا سيرين ، قمت بتغيير الجامعات مؤخرا للالتحاق إلى كلية الكيمياء هنا ، 18 سنة" نطقت سيرين بصوت متلعثم و هي تلعب بأصابعها رافضة إجراء اتصال بصري مع البقية ، سرعان ما لاحظت لينا توترها لتضع يدها على كتفها في لفتة مواساة ، و هو ما قدرته الفتاة الأخرى كثيرا ، لتتطلع بعدها على بقية الشباب ؛ سرعان ما خلصت إلى استنتاج أنه إن لم تقم بكسر الجليد الذي بينهم فإن اجتماعهم سيكون عديم الجدوى .
"حسنا ، بعد أن عرفنا أسماء بعضنا فلنبدأ النقاش" قالت بعد صمت دام لثوان معدودة .
"قمت أنا و سيرين بعلاج بقية الناجين ، رغم أن حالات الخوف و نوبات الهلع لا يمكن السيطرة عليها ؛ إلا أنه و بقيامنا بالسيطرة على الوضع يمكنني أن أؤكد أن الامتعاض سيخف لدرجة عدم وقوع شجار أو أعمال شغب" استندت على الدرابزين ناظرة للأسفل و هي تتكلم لذا لم تلاحظ أن وجوه الأربعة تلونت بدرجات مختلفة من القلق .
نطق أكرم بهمس يخالف رغبته في الصراخ "شغب ؟ شجار ؟ ما الذي تعنينه ؟" تنبهت لينا أخيرا لترفع بصرها ، ظهرت علامات الحيرة على وجهها لأنها لم تفهم ما يرمي إليه بكلماته 'ظننت أنني واضحة في كلامي' .. و هو ما لمحه إياد ليتدخل قائلا "أريد الإشارة أن معظمنا من تخصصات متعلقة بالجمادات ، لذا ربما لن نفهم ما تريدين التلميح له يا لينا" .
رمشت الفتاة المعنية قليلا لتستوعب ما قاله لتبتسم معتذرة "آسفة ، سأشرح لكم الآن"
"في وضع يكون فيه مجموعة من الأشخاص محتجزين ، عادة ما ينقسمون إلى مجموعات من دون وعي منهم " رفعت لينا إصبع السبابة في الهواء لتكمل " أولا الخاضعون ؛ و كما يلمح الاسم فإنهم إما استسلموا للأمر الواقع و فقدوا الأمل في النجاة ؛ أو أنهم يفتقرون لرد فعل واضح بسبب عدم تقبل الوضع أو رفض استيعابها ".
أتبعته برفع اصبعها الأوسط قائلة "ثانيا المقاومون ؛ تتميز هذه الفئة بالقيادة و العمل على حماية الناجين ، و محاولة العثور على طرق هروب إن سمح الوضع بذلك"
"آه ، هؤلاء نحن !" نطق فادي و هو يضرب قبضته اليمنى براحة كفه اليسرى ، مع تعابير سعيدة و كأنه فهم أصعب لغز في العالم ، ابتسمت لينا لتومئ برأسها موافقة على كلامه ، لترفع بنصرها متابعة كلامها "ثالثا المتعاونون ؛ صحيح أن أصحاب هذه الفئة لا يتخذون زمام المبادرة ، لكن يمكنهم المساعدة ما إن يطلب منهم دون مقاومة أو احتجاج ، منا يقودنا للفئة الأخيرة ".
فردت خنصرها لتردف بعبوس على وجهها "رابعا يأتي العنيدون ؛ أو أظن أن لقب المتمردين ينطبق عليهم أكثر".
تصلب البقية من نبرة صوتها الجادة "متمردون ؟" قالت سيرين و هي تعقد حاجبيها من الحيرة .
"هذه أخطر فئة يجب الحذر منها ، يمكن وصف تصرفات هؤلاء الأشخاص بالمقاومة الشديدة و رفض التعاون ، غالبا ما يقومون بتحريض المشاجرات لأسباب تافهة ، قد يظهرون أيضا ميلا غير طبيعي لتحقيق أهدافهم تحت غطاء الحفاظ على حقوقهم الشخصية ، حتى لو كان ثمن ذلك باهظا"
أظلمت وجوه بقية الأربعة لفهمهم خطورة الوضع ، و ما قصدته طالبة كلية البيولوجيا سابقا بقولها أن إمكانية نشوب أعمال الشغب تم كبحها حاليا . لاحظت لينا تعابيرهم قبل أن تحاول مواساتهم "لا تقلقوا ، إن تولينا القيادة و أظهرنا لهم أن الأوضاع تحت السيطرة ، يمكننا كسب ثقتهم ليقفوا في صفنا مهما كانت المشاكل التي ستظهر ، كما أن وجود طرف يمكن الاعتماد عليه سيبث فيهم روح الأمان و الهدوء ؛ و بذلك سنتجنب انتشار الذعر قدر الإمكان"
تنهد أكرم تنهدا مبالغا فيه "الحمد لله ، ظننت أن الوضع سيسوء أكثر" ليركل فادي ساقه ممتعضا "كم عمرك لتتصرف كالأطفال ؟"
أنهت لينا كلامها محاولة كتم ضحكتها على تصرفات أكرم و فادي "أيضا صحيح أنني مختصة بعلوم الطبيعة و الحياة ، لكن بما أن مجال عملي سيكون مشفى مليئة بالمرضى و كبار السن ارتأيت أن أبحث قليلا عن علم النفس ، لذا فإن معلوماتي هذه ماهي إلا اجتهاد شخصي".
نظرت سيرين إليها باندهاش لتهمس "أنتِ مذهلة" ، لوحت الأخرى بيدها مرتبكة "شكرا على المجاملة لكن هذا أمر لا يستحق الذكر".
"حسنا إذن ، تقرر الأمر !" قال إياد فجأة ليجفل البقية من صوته المرتفع ؛ انقض عليه فادي بسرعة واضعا يده على فمه هامسا بتعبير مرتعب "صديقي ، صوتك مرتفع ، تعرف أن الجلبة تجذب الزومبي صحيح ؟" أخفض يده بعدما أوضح وجهة نظره ليرد عليه الآخر بنبرة منخفضة اعتذارية "آسف" .
سعل قليلا منظفا حلقه "ما كنت أرغب في قوله ، نحن الآن هم فرقة المقاومين التي تحدثت عنها لينا سابقا".
أومأ الجميع منتظرين جملته القادمة "إذن هذا يعني أننا بحاجة لقائد" لون الإدراك تعابير كل من فادي و أكرم و سيرين ، ليشترك طالب كلية الرياضيات كلامه "معك حق ! تعيين من سيحمل هذا المنصب لنا مهم جدا في هذه الحالة".
أردفت لينا متسائلة "إذن من سيكون القائد؟".
ساد صمت غريب فجأة ، لينظر البقية لها بتعبير يصرخ -هل أنتِ جادة؟- . رمشت لينا قليلا قبل أن تتلعثم بكلماتها "ماذا ؟لما تحدقون بي و كأنني مجنونة ؟" .
"لأنك أنت من ستكون القائدة" قال إياد بسهولة ، بنفس النبرة التي سيقول بها أي شخص -السماء زرقاء و الأشجار خضراء- و كأنها فقط الحقيقة المطلقة .
عقدت لينا حاجبيها في عبوس ، عقلها يستوعب المعلومة المقدمة إليها حاليا ببطئ ، قبل أن تنظر إليهم و كأنهم للتو صرحوا -الأبقار تبيض و الحمير لها أجنحة- نعم ؛ ترمقهم و كأنهم هاربون من مشفى للأمراض العقلية .
"ها ؟ هل تمازحني ؟ أنا قائدة ؟" نطقت لينا بعد أن بقيت تحدق فيهم لدقيقة كاملة و هي تغلق و تفتح فمها كالسمكة خارج الماء .
أجابوها بإيماءة إيجابية و كأنهم لا يرون مشكلة فيما اقترحوه للتو ، لينقطع خيط الصبر الأخير لدى لينا "لالا ، مستحيل ، لست مناسبة للقيادة !".
سارعت سيرين بمخالفتها الرأي "ما الذي تتحدثين عنه ؟ أنتِ أول من ساهم بتقديم الاسعافات الأولية ، كما أنك من طرح فكرة وجود ثغرات في المقام الأول !".
أومأ فادي موافقا "نعم ، لو لم تقترحي الأمر لما ذهبت أنا و أكرم لفحص المبنى ، و ليكن في علمك أننا وجدنا ثلاث ثغرات ، لم نكن لنسدها لولاك".
رفع إياد يده عاليا و كأنه يطلب الإذن من أستاذ ابتدائية بالكلام "إن لم تكن لينا القائدة فسأنسحب من فريق المقاومين" ليشاركه أكرم الرأي مقلدا حركته "أنا أيضا".
الآن ، لينا التائهة في ارتباكها تراجع خياراتها 'إن تنحى إياد و أكرم فستكون تلك مصيبة ! ستنخفض ثقة الناجين بنا و سيغضبون ثم سيرتكبون مجزرة في حقنا ! ماذا أفعل ؛ ماذا أفعل ؟'.
تنهدت لينا محتضنة مصيرها المظلم برحابة صدر "حسنا ، سأكون القائدة" . تبادل فادي و أكرم ضرب قبضاتهما ، بينما رفع إياد إبهامه لسيرين التي اعتلت وجهها ابتسامة انتصار ، لتتجهم لينا في ضغينة عند رؤيتهم يحتفلون بقرارها . كتفت ذراعيها لتقول "حسنا ، هذا أمر قائدتكم الأول ؛ سنذهب لجمع المؤن". ليقوم أكرم بتحية عسكرية "أمرك سيدي ، أعني سيدتي". غمرتها رغبة قوية في رميه من النافذة فجأة ، لتتنهد محاولة تهدئة أعصابها ، عندها أدركت أنها ذهبت لداهية لا نهاية لها بقدميها و بكامل إرادتها .
شرعوا بصعود الدرج متجهين للقاعة التي اجتمع فيها الهاربون و اتخذوها مقرا لإحصاء ما معهم من مؤن ، عليهم أن يطلبوا من بقية الناجين أن يتشاركوا ما يملكونه مع البقية للنجاة ، ربما سيكون إقناعهم مهمة صعبة على لينا وحدها لكنها واثقة أنهم و كفريق يمكنهم تحقيق النتائج المرجوة .
شهقة حادة صدرت من فادي الذي كان يسير في الخلف ، استدار الجميع له في لحظة ليروا تعابيره الخائفة و هو يحدق في النافذة ؛ تحديدا ما خلف النافذة ؛ تطلعوا أيضا لنفس الاتجاه الذي يحملق به فادي لفترة الآن لتتسع أعينهم من الرعب . همست سيرين بصوت مرتجف "ما هذا ؟" .
في تلك اللحظة ، تتم إحاطة الجامعة بقبة شفافة مصبوغة جزئيا بألوان قوس المطر ، كأنما هي فقاعة عملاقة تصبح مرئية فقط بسبب انعكاس أشعة الشمس عليها .. ما الذي يحدث بحق خالق الجحيم ؟
لكن ما أثار هول الموقف بالكامل لم يكن إلا شيئا بدأ يطفو أمامهم فجأة من العدم ، يحمل شكلا مستطيلا ، ذو لون أزرق لامع يشع بريقا ، يشبه إلى حد كبير نافذة موقع عادة ما تظهر على شاشات الحواسيب ، مع ثلاث كلمات مغزاها يلفه الغموض :
°• تم تفعيل النظام •°
في عالم SOS-J يحدث :
بقي ذلك الشاب في غرفته المظلمة مكتئبا ، أغلق نافذته بإحكام شديد حتى لا تتسلل أصوات الفرح و الحبور إلى مسامعه .. إنه يرغب بالبقاء غارقا في اكتئابه للأبد ، ملتفا على سريره كجرو صغير تم هجره في عاصفة ممطرة ، فلما لا يتركه العالم في كربته كما يبتغي ؟!
أفنى ثلاث سنوات من حياته على لعبة الـ RPG المشهورة تلك و هو يبني ذلك الحلم الذهبي ، حساب متكامل من العناصر النادرة و الأسلحة المدمرة الرائعة ، ليتم حظر حسابه من الشركة المسؤولة من دون سبب ! أليس هذا ظلما كبيرا ؟! ضاع كل ما تعب عليه في لمح البصر !
لا بل الأدهى و الأمَرّ هو أن كل شخص مقرب منه حطمه بكلماته ، "إنها مجرد لعبة" قد قالوا ، "فلتعش قليلا في الواقع" قد تهكموا ، "ألستَ كبيرا على هذه الأشياء ؟" قد سخروا .
"إذا كنتم لن تفهموني ، فلما حتى أحاول شرح نفسي لكم ؟" و بهذا التفكير غرق أكثر في جزعه و تعاسته قاطعا بذلك كل علاقاته .
صار أكثر هدوءا ؛ كلما خرج من غرفته فإنه يسير دون صوت يصدر من خطواته حتى لا يلمحه والده و يبدأ توبيخه المعتاد ، أصبح الصمت يحيط كل زاوية منه ؛ عندما يرتاد مدرسته فإنه يحاول الاندماج في الخلفية بسكوته لتجنب أسئلة المعلمين و مضايقات الطلبة ، أمسى كالهواء في سكونه ؛ حتى صدى تنفسه لم يعد مسموعا .
ثم حصل غير المتوقع ، حلت كارثة بتلك المدينة المزدحمة لتتغير من مستقر بهجة إلى مثوى هم و شقاء . و بعد أن أهلكت الجائحة أرواح العديد من البشر محولة إياهم إلى جثث متحركة ، من بينها هذا الشاب المسكين الذي حافظ على هدوئه ، جاء ثلاثة أشخاص إلى تلك البقعة التي صارت معروفة الآن باسم المنطقة B .
ربما بسبب هذا ؛ لم تنتبه روري لذلك الزومبي عندما تسلل إليها.

Comments (8)
See all